يقدّم الكاتب عاصم النبيه في هذا المقال التحليلي قراءة نقدية حادّة للطريقة التي يعيد بها العالم توصيف ما يجري في غزة، محذرًا من اختزال المأساة في إطار “أزمة إنسانية” معزولة عن جذورها السياسية.
ويضع موقع ميدل إيست آي هذا الطرح ضمن سياق أوسع يكشف كيف تُستخدم اللغة الإنسانية أداةً لإخفاء المسؤولية وتحييد المساءلة.
منذ أكثر من عامين من الإبادة، أعاد العالم صياغة غزة بوصفها حالة طوارئ إنسانية: أطفال جائعون، خيام ممزقة، طوابير ماء، وشاحنات مساعدات عالقة على المعابر. هذه الصور حقيقية، والمعاناة واقعية، لكن هذا الإطار، كما يرى الكاتب، مضلل بعمق. غزة ليست أرضًا ضربها زلزال بلا فاعل، ولا مدينة اجتاحها جفاف طبيعي. ما يجري نتيجة قرارات سياسية واستراتيجيات عسكرية ونظام هيمنة ممتد، وتحويله إلى “أزمة إنسانية” يمحو الجريمة من سياقها السياسي.
تجويع مُهندس لا أزمة طارئة
يحذّر المقال من خطورة اللغة الإنسانية حين تنفصل عن المحاسبة السياسية. فعندما تُوصَف غزة بأنها “موقع احتياج” لا “موقع اضطهاد”، يختفي الفاعل من المشهد. الجوع يتحول إلى ظرف عارض، لا إلى سلاح. الدمار يصبح “ضررًا في البنية التحتية”، لا استهدافًا مقصودًا. ويجري اختزال الفلسطينيين في متلقين للمساعدات بدل كونهم أصحاب قضية سياسية ممتدة لأكثر من قرن.
يؤكد الكاتب أن المجاعة في غزة ليست نتيجة شحّ أو سوء حظ، بل نتاج سياسة مُحكمة. تفرض إسرائيل حصارًا شاملًا، وتقيّد دخول الغذاء، وتدمّر الأراضي الزراعية، وتستهدف المخابز، وتفكك سلاسل الإمداد. ورغم تحذيرات دولية متكررة من المجاعة، تواصل السلطات الإسرائيلية التحكم في السعرات الحرارية والمعابر والمساعدات كأدوات سيطرة. تجاهل هذا الفاعل وتحويل الجريمة إلى “فشل إغاثي” يخفي القصد ويشارك في تضليل خطير.
الدمار بوصفه سياسة لا حادثًا
يمتد التشويه اللغوي ليشمل الدمار العمراني. أحياء كاملة مُسحت بالقصف المستمر، ومستشفيات وجامعات وآبار مياه وشبكات صرف صحي ومرافق بلدية تعرّضت للاستهداف المنهجي. تصف العقيدة العسكرية الإسرائيلية تدمير البنية المدنية وسيلة ضغط، لكن الخطاب السائد يعيد توصيف ذلك كـ“انهيار حضري” أو “أضرار ما بعد الحرب”، في تجريد متعمد للعنف من فاعله. البنية التحتية لا تنهار من تلقاء نفسها؛ القصف يدمّرها.
كما يخلق الإطار الإنساني وهم المؤقتية، كأن معاناة غزة لحظة استثنائية ستنتهي لتعود الحياة إلى طبيعتها. لكن الحصار سابق للإبادة، والسياسات المعلنة تمنع إعادة إعمار حقيقية أو استقلالًا سياسيًا. في ظل هذا الواقع، لا تحل المساعدات الأزمة، بل تدير حالة دائمة من التدمير.
تشويه أخلاقي ومحو للعدالة
ينتقد المقال انقلاب الأسئلة الأخلاقية: بدل التساؤل “لماذا تفعل إسرائيل ذلك؟” يتحول النقاش إلى “لماذا لا يكتفي الفلسطينيون بالبقاء على قيد الحياة؟”. يُطالَب الفلسطينيون بالامتنان لمساعدات تصل تحت السيطرة الإسرائيلية، فيما يستمر القصف والتجويع والتهجير. تُعاد صياغة المقاومة كجحود أو تطرف، وتُختزل المطالب في الغذاء والخيام، وكأن عقودًا من الاقتلاع والإبادة تهدف فقط إلى ثلاث وجبات يوميًا.
يرى الكاتب أن الاقتصار على السرد الإنساني يمارس عنفًا معرفيًا أيضًا، إذ يضيّق ما يُعد “معرفة ذات صلة”. تُهمَّش الأطر القانونية والمسؤولية التاريخية واستمرارية الاستعمار واختلال موازين القوة، لصالح أرقام: شاحنات دخلت، سعرات وُزعت، ملاجئ أُقيمت. هذه الأرقام مهمة، لكنها لا تفسّر سبب الجوع. السياسة وحدها تفعل، وهي تقود مباشرة إلى الفاعل.
المساءلة، بحسب المقال، غائبة بوضوح. الإبادة لا تقع في فراغ؛ تحتاج إلى سلاح وغطاء دبلوماسي وحق نقض وصمت وتواطؤ. يسمح الإطار الإنساني للدول المتورطة مباشرة أو غير مباشرة بأن تظهر كمانحين ووسطاء، فتغسل أخلاقيًا تواطؤها بالمساعدات. تتحول الإغاثة إلى ستار يحجب المسؤولية بدل مواجهتها.
يختم الكاتب بأن غزة لا تطلب شفقة، بل عدالة: إنهاء الاحتلال، رفع الحصار، تفكيك أنظمة الفصل، الاعتراف بحق تقرير المصير، ومحاسبة الجناة وفق القانون الدولي. يحتاج الناس إلى الغذاء والدواء الآن، لكن المساعدات حدٌّ أخلاقي أدنى لا حلٌّ نهائي. من دون فعل سياسي ومساءلة قانونية وتغيير بنيوي، تصبح الإغاثة آلية لإدامة العنف لا إيقافه. غزة مرآة للعالم، تكشف ليس فقط وحشية الجرائم، بل أيضًا قصور الاستجابة الدولية عن تسميتها والتصرف على هذا الأساس.
https://www.middleeasteye.net/opinion/gaza-not-natural-disaster-zone-it-victim-political-crime

